أفكار في الخوف على سقطرى مرة أخرى

عبد الباري طاهر .

بالأمس تخوفنا على جزيرة سقطرى النائية والواقعة في قلب المحيط الهندي من غياب الدولة، وطمع الجوار. ولم يزل الخوف عليها من غياب الدولة، والوجود العسكري للحلفاء: الإمارات والسعودية. ويبدو أن الشرعية قد ابتلعت طُعم استبدال القوة الإماراتية بالقوة السعودية مع أن خطرها على الجزيرة لا يقل شأناً عن أختها. يتضاعف الخوف علي سقطرى من الكارثة الطبيعية: إعصار «مكونو». فقد اجتاح الإعصار الجزيرة ممتداً إلى المهرة ومناطق الساحل العماني.

عمان دولة تحترم شعبها. فقد ضرب إعصار سابق عمان عام 2008، كما ضرب مناطق في حضرموت. وفي حين قامت السلطة العمانية بإعادة إعمار ما دمره الإعصار، وتعويض السكان، ومعالجة آثار الخراب بدون الاستغاثة، أو قبول المساعدة من أي دولة، نجد أن السلطة اليمنية حينها جمعت التبرعات، وتلقت المساعدات من الآخرين، ولم توفر احتياجات المنكوبين كدأبها دائماً.

يتضاعف الخوف على الجزيرة المنكوبة بالكارثة الطبيعية والتي لا يوجد في الوقت الراهن أي معالجة لآثارها، ولا أي محاولة لإنقاذ سكانها، وسكان المناطق المتضررة كالمهرة – من قبل الشرعية التي سلمت أمرها لدول التحالف. نعم أعلنت الشرعية الجزيرة منطقة منكوبة، ولكن ماذا بعد؟!!

الدولة اليمنية «المغيبة» لا خير يُنتظر منها. ففي العام 1982 ضرب مدينة ذمار ومحيطَها زلزالٌ مدمر، وقُدمت – بسخاء – تبرعات وطنية وإقليمية ودولية، وفُرضت خصميات على مرتبات الموظفين. لقد ظلت هذه الخصميات قائمة لفترة غير قصيرة، وكانت النتيجة بناء عدة أفحوصات خارج ذمار تمثل شاهداً على فساد الإدارة الحكومية، وتلاعبها بمصائر مواطنيها، وعدم حرصها واهتمامها بهم.

عبر تاريخ طويل كانت جزيرة سقطرى نقطة ترانزيت بين مصر والهند، كما أنها كانت مطمعاً للقوى الدولية. يشير صاحب (الموسوعة التاريخية الجغرافية) أنَّ اسم سقطرى يرجع إلى السنسكريتية «دفيبا سنحترا»، أي «الجزيرة السعيدة»، هكذا لقبها الهنود الذين أعجبوا بها، كما عُرفت أيضاً باسم «ديوسقريدس» منذ أيام الإسكندر المقدوني. وهي غنية بالأعشاب الطبية والنادرة، ولها حضور في كتب الرحالة والجغرافيين، واستمرت أخبارها تتوارد على القدماء في تواريخ مختلفة.

وقد أحصيت النباتات فيها بخمسمائة نوع من الأشجار منها 200 نوع غير موجود في أي مكان في العالم. والواقع أن الأعشاب فيها تصل إلى 1511 منها 850 نوع من أندر الأشجار، كما يوجد فيها ثلاثمائة وخمسين نوع من المرجان. ويشير صاحب الموسوعة أيضاً أن الهنود سكنوها، واحتلها الإسكندر الأكبر، وأن اليونانيين أيضاً قد سكنوها، وأنها اعتنقت المسيحية في تاريخ مبكر. ويذكر ابن المجاور في تاريخه (المستبصر) أن سكانها نصارى.

وقد لاحظ بعض الرحالة الأوروبيين وجود بعض الكنائس فيها، كما عرفت الجزيرة المذهب الإباضي الذي كان مزدهراً في حضرموت وعمان منذ عهد طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي ثم تقلص ظله بعد مجيء أحمد بن عيسى المهاجر إلى حضرموت مطلع القرن الرابع الهجري.

ويذكر ابن المجاور أيضاً أنها كانت ملاذاً للقراصنة، وهو ما أكده الرحالة العرب والإيطالي ماركو بولو، ولا تزال بقايا الاحتلال البرتغالي موجودة في مناطق معينة من الجزيرة.

كانت سقطرى أول أرض يمنية يطؤها البريطانيون؛ فقد احتلوها عام 1834م، أي قبل احتلال عدن بخمس سنوات. وقد راود البريطانيين فكرةُ جعلها وطناً لليهود بدلاً من فلسطين؛ بسبب ضغط الثورة التي قادها عز الدين القسّام في العام 1936، وهي الثورة التي خذلها الملوك العرب، كما خذلوا ثورات الشعب الفلسطيني حتى اليوم.

الباحث والمفكر اللبناني فواز طرابلسي استند في ذلك إلى محفوظات مكتب السجلات العامة في لندن في الملف رقم c-2OR-633 («الحياة»، 23 آذار 1998، ص13)، لكن انتهي الأمر إلى اقتناع الخارجية البريطانية برأي انجرامز (المستشار المقيم في المكلا بحضرموت) التي تتبعها سوقطرى آنذاك، فقد أكد أن هذا المشروع سوف يجلب من المتاعب والأضرار أكثر من الفوائد؛ وبذلك طويت صفحة توطين اليهود في سقطرى.

ضعف اهتمام الرحالة العرب بالجزيرة عائد إلى بعدها عن طريق البريد المصدر الأساس لمؤلفات هؤلاء الرحالة. وقد أشار إليها الحسن بن أحمد الهمداني في (صفة جزيرة العرب) فقد حدد خط السير البحري إليها، ذاكراً أن سكانها قبائل مهرة، وهو ما يؤكده صاحب (لسان العرب) ابن منظور، وذكر أن بها عشرة آلاف مقاتل، وهم نصارى، كما أشار الهمداني إلى دم الأخوين والعنبر.

في العالم القديم كانت المواد المصدرة من سقطرى هي بترول العصور القديمة، وكانت تسمى مقدسة؛ لأنها وقود الكنائس والمعابد، وطقس من طقوس العبادة، وتدخل في كثير من المركبات العلاجية، وتسمى الأرض المصدرة لها أرضاً مقدسة.

موقعها الاستراتيجي المهم والخطر في آن شكل نوعاً من الحماية رغم الإعجاب والطمع الشديدين.

فالجزيرة تمثل نقطة التقاء المحيط الهندي والبحر العربي، وهي وسط بين القرن الأفريقي، وجنوب الجزيرة العربية. اعتبرتها صحيفة «نويورك تايمز» كأجمل جزيرة في العالم، ومن أهم مواقع التراث العالمي، وأكبر الجزر العربية واليمنية، وأكبر محمية طبيعية، واعتبرتها اليونسكو من أهم مواقع التراث الإنساني.

ظلت الجزيرة، وعلى مدى طويل، لا تعرف الجريمة ولا القتل، ولم تعرف حمل السلاح، ولا تمنطق الخناجر إلا بعد حرب 94.

سقطرى إحدى غرائب الطبيعة عالمياً مهددة من الاجتياحات المتكررة للأعاصير، كما أنها تعاني غياب الدولة «المغيبة»، وطمع الجوار الإفريقي والحليف، والحليف هو الأخطر. التحديات أكبر من قدرات أبناء الجزيرة المنهكين والمحاصرين.

يذكر الزميل والباحث فواز طرابلسي أن الاشتراكية هي التي أعادت وضع الجزيرة على خارطة العالم، لا لأن الهناءة اجتاحت الجزيرة مع مجيء الاشتراكية، بل لأن الصحافة الغربية ظلت على مدى سنوات تتهم السلطات في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بأنها منحت قاعدة للأسطول الحربي السوفيتي.

وفعلاً نظمت الحكومة في عدن أكثر من زيارة إلى الجزيرة لصحفيين وأدباء وسياسيين لزيارة الجزيرة للاطلاع على عدم وجود معسكر سوفيتي فيها. وأذكر أنني وفواز طرابلسي والدكتور عبد السلام نور الدين وجوزيف سماحة ووفد كبير من الباحثين والأدباء والصحفيين زرنا الجزيرة عام 1989 أيضاً للبرهنة على عدم وجود أي قوة سوفيتية.

لعل أهم إنجاز للجبهة القومية والتنظيم السياسي، وفيما بعد الحزب الاشتراكي هو الحفاظ على بيئة الجزيرة، وربطها بعدن، وإدخال العربية إليها إلى جانب الحفاظ على اللغة السقطرية – اللغة الأصلية -، كما أنها قامت، وبمستوى معين، بإدخال التعليم الحديث إليها.

سررت كثيراً بمتابعة المقابلة التي أجرتها قناة الجزيرة مع الدكتور الأديب والمفكر الشجاع أحمد الصياد ممثل اليمن في اليونسكو الذي انتقد بنبرة عالية الوجود العسكري الإماراتي في الجزيرة، والتأكيد على ارتباط الجزيرة باليونسكو، ومدى الاهتمام بها كتراث إنساني عالمي.

والحقيقة أن الجزيرة ليست بحاجة إلى وجود عسكري من قبل الإمارات أو السعودية أو حتى الشرعية. فالجزيرة بحاجة إلى المساعدات الوطنية والإقليمية والدولية للتغلب على آثار كارثة الإعصار، وفك العزلة عنها، ومساعدة سكانها على التغلب على الفقر والمرض والتخلف، وخلق مشاريع إنماء وإعمار تتواءم وطبيعة البيئة التراثية، وإعادة ما دمرته الأعاصير المتوالية.

شاهد أيضاً

اليمن.. حرب لا منتصر فيها، وسلام على قاعدة ‘خاسر ــ خاسر’

بقلم عريب الرنتاوي في واحدة من آخر مقابلاته الصحفية، تنبأ أشهر الصحفيين العرب، محمد حسنين …