ما بين القوة والنضال السلمي

للكاتب/ عبد الباري طاهر

الاغترار بالقوة، والافتخار بها، داء وبيل ورثناه من الفكر البدوي والقبلي، وهو ثمرة فهم خاطئ للنص الديني. وجاء الاستعمار، والأنظمة الرجعية الشائهة، والعصبيات القومية الشوفينية، والفكر اليساري الديماجوجي لتعزز هذا الاتجاه، وكانت الطامة الكبرى الاحتلال الصهيوني الاستيطاني لفلسطين. احتلال إسرائيل لفلسطين، والمعركة القومية ضد الاستعمار وأمريكا قوَّى التيارات الجانحة نحو القوة وتمجيدها والتغني بها، كما أن الصراع الدولي غذى هذا النزوع.

ارتباط القوة بالحق في كفاح الأمة العربية، حقق نتائج لا يستهان بها في مصر والجزائر وسوريا والعراق واليمن والجزيرة والخليج. القوة المدافعة عن الحق جنت ثماراً طيبة بنيل الاستقلال، وأسهمت في بناء كيانات وطنية، لكن الاستناد إليها، والاغترار بما أنجزت، واعتبارها حقيقة الله العظمى، والوسيلة والأداة الوحيدة لحل معضلات البناء والتطور والتنمية والتحديث- هي كارثة الكوارث.

القوة التي حققت الاستقلال السياسي عجزت عن تحقيق الاكتفاء الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والنهوض الثقافي، بل أصبحت العائق الحقيقي أمام مطالب الحرية، والديمقراطية، والعدل الاجتماعي، وبناء الأوطان.

المفكرون القوميون: ساطع الحصري، وقسطنطين زريق، وعبد الله العروي، ومحمد عودة، واليساريون دعوا منذ البداية إلى التوحد، وحذروا من مخاطر الدولة القطرية، والتفكك والانقسامات التي تسعى إليها القوى التقليدية والاستعمارية، وأعطوا الأولوية للتحديث، والتعليم، وبناء الهوية القومية على أسس علمية وديمقراطية.

منذ بدايات الحركات القومية، وحركات التحرر الوطني هيمنت القوة، وأُفرط في استخدامها. لم يكن هذا النزوع ضد القوى الأجنبية والاستعمارية فقط، وإنما أيضاً ضد المعارض السياسي. ومنذ الثورة المصرية 1952، جرى عسكرة الحياة السياسية، وقد انتقد المفكر اليساري أنور عبد الملك في كتابه «مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون» هذا المنحى في تجربة مصر. لقد كانت العسكرة على حساب التنمية، والتحديث، وبناء الإنسان؛ حيث تم التنكر للنضالات السلمية والتوجهات الديمقراطية، ورُفِضَت مشاركة الجماهير والقوى السياسية المختلفة في الحياة العامة.

لم يحقق السلاح وحده النصر في معركة الاستقلال العربي. فهناك بلدن حققت الاستقلال بالكفاح السلمي، والتفاوض السياسي: تونس، والمغرب، والجزيرة العربية، وإلى حد ما مصر.

المشكلة أن البلدان التي حققت الاستقلال عبر الكفاح المسلح كالجزائر، وجنوب اليمن اعتقد الثوار فيها أن السلاح هو كل شيء، وعولوا عليه بالمطلق، وتناسوا الكفاح المجيد للاحتجاجات السلمية، والنضالات المطلبية التي حرثت الأرض أمام الكفاح المسلح، ومهدت الطريق لنجاحه، وكانت هي الأساس في نيل الاستقلال. حتى البلدان التي حدثت فيها انقلابات عسكرية – عبر القفز على السلطة ليلاً – هي الأخرى أَلَّهَتْ السلاح، وجعلت منه الأداة والوسيلة شبه الوحيدة لحكم الداخل، وقمع الأصوات المعارضة.

عندما رفع الزعيم العربي جمال عبد الناصر شعار «ما أُخِذَ بالقوة لا يُستردُّ إلا بالقوة» في مواجهة إسرائيل كان صادقاً، ولم يكتف بإعادة بناء الجيش المصري، بل فاوض ومضى أيضاً في الانفتاح المحدود على الجماهير، وأنزل بيان الثلاثين من مارس، لكنه استمر في تغليب العسكرة في كل الميادين، وإن بصورة مغايرة ومختلفة عما جرى في سوريا والعراق.

شهدت سوريا والعراق واليمن – إلى حد ما – التركيز على العسكرة بصورة راعبة؛ فهُمِّشت السياسة، وغُيِّبت الحياة الديمقراطية، وأُهمِل التحديث، والتعليم، والتطبيب، والتنمية، والبناء لصالح السلاح ضداً على الداخل، وكانت النتيجة كارثية بكل المقاييس.

في العراق وسوريا أعطيت الأولوية لبناء قوة؛ «لحماية الأمة العربية»، «واسترداد الحق العربي في فلسطين»، وكانت النتيجة راعبة. وما لحق بالعراق والكويت والأكراد من قبل نظام صدام مرتبط أيضاً بنهج العسكرة.

وفي سوريا كان رفع شعار «التوازن الاستراتيجي»، وبناء القوة السورية في مواجهة إسرائيل هو سبب ما تعيشه سوريا اليوم من حروب مدمرة ومأساوية عليها وعلى الأمة العربية كلها، ولم يصب إسرائيل منها شيء.

أما اليمن الذي استغرق عشرات السنين في بناء جيش وطني حديث حسب مبادئ الثورة السبتمبرية، واستنزفَ تكوينُه الجزءَ الأكبر من الدخل القومي والموازنة العامة، فقد آل إلى مِلكية عائلية دمرته بعد أن دمرت به الجنوب وصعدة وأنحاء عديدة من اليمن.

الثروة النفطية في دول الخليج تُهدر بالمليارات في شراء السلاح، وتُنفق في الحروب على سوريا واليمن، وإشعال الصراعات والفتن في المنطقة العربية، وشراء الذمم والرشاوي والولاءات.

سباق التسلح غير المسبوق بين إيران ودول الخليج نتائجه كارثية على الأمتين: العربية، والإيرانية. وبكل تأكيد فإن الإنفاق على السلاح والحروب يكون خصماً من الاهتمام بالتنمية، والبناء، والتحديث، والعدل، والديمقراطية، وهو ما تطمح إليه شعوب المنطقة كلها.

ما حفزني لكتابة هذا الموضوع هو الاحتجاجات السلمية في غزة. فهذه الاحتجاجات- شأن الانتفاضة السلمية الأولى- الوسيلة المثلى لإبراز الطبيعة الفاشية والعنصرية لنظام الفصل العنصري في إسرائيل، وهي الرد المناسب على الغطرسة الإمبريالية لترامب في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمةً لإسرائيل.

الكفاح السلمي للشعب الفلسطيني لا يعني نكران الحق في استخدام السلاح، ولكن عدم القدرة على استخدام هذا الحق هو موضع الخلاف. فعندما تستخدمه بدون توفر كامل شروطه؛ فإنك تستجيب للإرادة الشريرة لإسرائيل، «وتقاتل حيث تُقْتَل»، كما حذر من ذلك الآباء العرب.

المأخذ على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أنها تنازلت عن هذا الحق مقابل الوهم. والفشل هو استخدام السلاح بدون توفر شروطه: زماناً، ومكاناً، ومقدرةً، كما أن الفشل –أيضاً- هو في التخلي عنه مقابل وعود استعمارية.

ويوماً فيوماً يبرهن النضال السلمي أنه الوسيلة المثلى لقهر نظام الفصل العنصري كرؤية رجل السلام العالمي نلسون مانديلا أحد تلاميذ غاندي. فالمقاومة الشعبية لا تلغي الحق في استخدام السلاح، ولكنها ترفض المغامرة بهذا الحق استجابة للاستفزازات الإسرائيلية، كما فعلت فتح وحماس في الانتفاضة الثانية.

شاهد أيضاً

اليمن.. حرب لا منتصر فيها، وسلام على قاعدة ‘خاسر ــ خاسر’

بقلم عريب الرنتاوي في واحدة من آخر مقابلاته الصحفية، تنبأ أشهر الصحفيين العرب، محمد حسنين …